محمد ابراهيم شادي
55
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
يفلح في استغلال عاطفة الأبوة واللعب بها للتأثير عليه حتى يتخلى عن موقفه ، فقوله : اقتل أسيرك يشعر بهذا ويوحى به . فأي ثبات هذا الذي يجعله يرفض الغدر ويرضى بقتل ابنه الأسير عند الحارث وجملة " إني مانع جارى " جاءت على طريقة العرب في القطع والاستئناف ، وكأنه لما قال : " اقتل أسيرك " استشرفت النفوس وتساءلت عن سبب ذلك وما الذي يجعله يرضى بقتل ابنه فجاء قوله " إني مانع جارى " قاطعا لذلك الاستشراف مزيلا تلك الحيرة ومجيبا على ذلك التساؤل . ولقد أطال الأعشى في ذلك الرد الذي كان من السموأل لأنه أراد أن يبرز ما كان من السموأل الذي لم يكن يملك في ذلك الموقف غير استنفار القوة النفسية التي تعكس للخصم ثباته وصبره ، ولعله أراد أن يضرب مثلا للحارث فيما ينبغي أن يكون عليه العربي من شهامة وأراد أن ينبهه إلى رصيده من أبنائه الذين أحسن تربيتهم وهم مثله في الثبات والصبر وعدم التردد عندما تلزم المواقف . ثم جاء رد الحارث يتضمن أن الأمر جد ، مع قصد إيقاع الرعب في قلب الأب : " أشرف سموأل فانظر للدم الجاري " . وهذا واضح من طلبه منه أن يطل وينظر ليرى ما يجرى ، فتعاقب الأمرين " أشرف . . فانظر " والتعبير بالدم الجاري مما يهز قلوب الشجعان ولا سيما إذا كان الخطاب للأب ، لكن الحارث يعود للمساومة والتخيير بين قتل ابنه وبين تسليم الأدراع . وإذا كان التخيير في المرة الأولى بقوله : " غدر وثكل أنت بينهما " فإنه في هذه المرة يلجأ إلى استغلال عاطفة الأبوة ولم يفلح قائلا : أأقتل ابنك أو تجئ بها طوعا